ابن كثير

371

البداية والنهاية

وأبي بكر مثل حبها ابن الزبير ، قال : وما رأيت أبي وعائشة يدعوان لاحد من الخلق مثل دعائهما لابن الزبير . وقال الزبير بن بكار : حدثني أخي هارون بن أبي بكر ، عن يحيى بن إبراهيم ، عن سليمان بن محمد ، عن يحيى بن عروة ، عن عمه عن عبد الله بن عروة قال أفحمت ألسنة نابغة بني جعدة فدخل على عبد الله بن الزبير المسجد الحرام فأنشد هذه الأبيات : حكيت لنا الصديق لما وليتها * وعثمان وفاروق فارتاح معدم وسويت بين الناس في الحق فاستووا * فعاد صباحا حالك اللون مظلم أتاك أبو ليلى يجوب به الدجا * دجى الليل جواب الفلاة غشمشم لتجير منه جائيا غدرت به * صروف الليالي والزمان المصمم فقال له ابن الزبير : هون عليك أبا ليلى . فإن الشعر أهون رسائلك عندنا ، أما صفوه فما لنا فلآل الزبير ، وأما عفوه فإن بني أسد يشغلها عنك وتيما ، ولكن لك في مال الله حقان ، حق لرؤيتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحق لشركتك أهل الاسلام في فيئهم ، ثم أخذ بيده فأدخله دار النعم فأعطاه قلائص سبعا وجملا وخيلا ، وأوقر له الركاب برا وتمرا وثيابا ، فجعل النابغة يستعجل ويأكل الحب صرفا ، فقال له ابن الزبير : ويح أبي ليلى ، لقد بلغ الجهد . فقال النابغة : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما وليت قريش وعدلت ، واسترحمت فرحمت وحدثت فصدقت ، ووعدت خيرا فأنجزت ، فأنا والنبيون فرط العاصفين " . وقال محمد بن مروان صاحب كتاب المجالسة : أخبرني خبيب بن نصير الأزدي ثنا محمد بن دينار الضبي ، ثنا هشام بن سليمان المخزومي ، عن أبيه قال : أذن معاوية للناس يوما فدخلوا عليه فاحتفل المجلس وهو على سريره ، فأجال بصره فيهم فقال : أنشدوني لقدماء العرب ثلاثة أبيات جامعة من أجمع ما قالتها العرب ، ثم قال : يا أبا خبيب فقال : مهيم ، قال أنشد ذلك ، فقال : نعم يا أمير المؤمنين بثلاثمائة ألف كل بيت بمائة ألف ، قال : نعم إن ساوت ، قال أنت بالخيار ، وأنت واف كاف ، فأنشده للأفوه الأزدي : بلوت الناس قرنا بعد قرن * فلم أر غير ختال وقال فقال معاوية صدق ولم أر في الخطوب أشد وقعا * وكيدا من معادات الرجال فقال معاوية صدق وذقت مرارة الأشياء طرا * فما شئ أمر من السؤال فقال صدق